القاضي عبد الجبار الهمذاني

182

المغني في أبواب التوحيد والعدل

الاضطرار فيجب أن تكون له طريقة يعلم عندها ؛ ولا طريق يشار إليه ، يعلم عنده ، أن القرآن لم يظهر إلا على الرسول ، عند ادّعائه النبوة ، وأنه لم يظهر على أحد من قبل ؛ وكذلك فلا يصح فيه الاستدلال ، لأنه لا دليل يدل على أنه لم يظهر إلا عليه ، كما يدل الفصل على أنه من قبل فاعله ، لأن ذلك إنما يصح فيه لما كان فعله وحادثا من قبله ، فعلم أنه لم يحدث إلا منه ، بالدليل الّذي نذكره في هذا الباب ؛ والقرآن فليس من فعله على الحد الّذي يكون معجزا ، فكيف يمكن أن يستدل على أنه لم يظهر على غيره ، مع أنه لا بدّ من القول بأنه حدث من قبل غيره ؛ وإذا لم يصح حصول العلم من الوجهين فكيف يصح أن يجعل شرطا ، مع أن كونه شرطا يبطل كونه معجزا ، وقد سلم هذا أنه معجز ، في الأصل . فان قال : إنه يعلم باضطرار ظهوره عليه ، وأنه لم يظهر على غيره ، كما يعلم باضطرار إثبات المخبر عنه ، ونفيه ، بوجود الأخبار ، وانتفائها ، وكما يعلم أن شعر الشعراء لم يظهر إلا منهم ، وهذه الطريقة معروفة في الاضطرار ، فكيف يصح إنكاركم لها ، وطعنكم فيما جعلناه شرطا ، في كون القرآن معجزا . قيل له : إن الّذي يجوز أن يعلم باضطرار ، أن القرآن ظهر عند ادعائه ، وأنه لم يكن ظاهرا ، على من ينقل خبره إليه ، من جهة العادة ، بهذا القدر ، هو الّذي يصح أن يعلم ؛ وبهذا القول لا يحصل ما ادعيتم من العلم ، لأنه لا يجوز مع ذلك أن يكون ظهر على بعض من لا يعرف أخباره ، ولا يجب انتهاء أحواله إلينا ، من الناس ، أو من الجن والملائكة ، لأن من يثبت بالسمع من القادرين قد يجوّز العاقل « 1 » بعقله نبوتهم ووجودهم ؛ وإذا جوز ذلك فلا بد من أن يجوز في القرآن أن يكون ظاهرا عليهم ، أو منهم ، على ما قدّمناه ؛ ومع تجويز ذلك لا يجوز

--> ( 1 ) في « ص » العالم .